أبي الفرج الأصفهاني
123
الأغاني
أمّ المؤمنين ، فرآها أبو هريرة فقال : سبحان اللَّه ! كأنها من الحور العين . فمكثت عند عائشة أربعة أشهر . وكان زوجها / قد آلى منها ، فأرسلت عائشة : إني أخاف عليك الإيلاء [ 1 ] ، فضمّها إليه وكان موليا منها فقيل له : طلَّقها ، فقال : يقولون طلَّقها لأصبح ثاوبا مقيما عليّ الهمّ ، أحلام نائم وإنّ فراقي أهل بيت أحبّهم لهم زلفة عندي لإحدى العظائم زواجها من مصعب بن الزبير : فتوفي عبد اللَّه بعد ذلك وهي عنده ، فما فتحت فاها عليه ، وكانت عائشة أمّ المؤمنين تعدّد عليها هذا في ذنوبها التي تعدّدها . ثم تزوّجها بعده مصعب بن الزبير ، فأمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك . وبلغ ذلك أخاه فقال : إن مصعبا قدّم أيره ، وأخّر خيره . فبلغ ذلك من قوله عبد الملك بن مروان فقال : لكنّه أخّر أيره وخيره ، وكتب ابن الزبير إلى مصعب يؤنّبه على ذلك ويقسم عليه أن يلحق به بمكة ولا ينزل المدينة ولا ينزل إلا بالبيداء ، وقال له : إني لأرجو أن تكون الذي يخسف به بالبيداء ، فما أمرتك بنزولها إلا لهذا . وصار إليه وأرضاه من نفسه ، فأمسك عنه . كانت تعاسر مصعبا فاحتال له كاتبه ابن أبي فروة حتى ياسرته : قال وحدّثني المدائنيّ عن سحيم بن حفص قال : كان مصعب بن الزبير لا يقدر عليها إلَّا بتلاح ينالها منه وبضربها . فشكا ذلك إلى ابن أبي فروة كاتبه . فقال له : أنا أكفيك هذا إن أذنت لي . قال : نعم ! افعل ما شئت فإنّها أفضل شيء نلته من الدنيا . فأتاها ليلا ومعه أسودان فاستأذن عليها . فقالت له : أفي مثل هذه الساعة ! قال نعم . فأدخلته . فقال للأسودين : احفراها هنا بئرا . فقالت له جاريتها : وما تصنع بالبئر ؟ قال : / شؤم / ملاتك ، أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حيّة وهو أسفك خلق اللَّه لدم حرام . فقالت عائشة : فانظرني أذهب إليه . قال : هيهات ! لا سبيل إلى ذلك ، وقال للأسودين : احفرا . فلمّا رأت الجدّ منه بكت ثم قالت : يا بن أبي فروة إنك لقاتلي ما منه بدّ ؟ قال : نعم ، وإني لأعلم أن اللَّه سيجزيه بعدك ، ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب . قالت : وفي أيّ شيء غضبه . قال : في امتناعك عنه ، وقد ظنّ أنك تبغضينه وتتعطلَّعين إلى غيره فقد جنّ . فقالت : أنشدك اللَّه إلَّا عاودته . قال : إني أخاف أن يقتلني . فبكت وبكى جواريها . فقال : قد رققت لك ، وحلف أنّه يغرّر بنفسه ، ثم قال لها : فما أقول ؟ قالت : تضمن عنّي ألَّا أعود أبدا . قال : فما لي عندك ؟ قالت : قيام بحقّك ما عشت . قال : فأعطيني المواثيق ، فأعطته . فقال للأسودين : مكانكما ، وأتى مصعبا فأخبره . فقال له : استوثق منها بالأيمان ، ففعلت وصلحت بعد ذلك لمصعب . أخبار لها مع مصعب : قال : ودخل عليها مصعب يوما وهي نائمة متصبّحة [ 2 ] ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ، فأنبهها
--> [ 1 ] الإيلاء : اليمين ، وفي الشرع أن يقسم الزوج ألا يقرب امرأته . وحكمه أن يتربص به أربعة أشهر ثم يوقف ، فإما أن يطلق بعد ذلك أو يرجع . [ 2 ] التصبح : نوم الغداة .